الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
507
مناهل العرفان في علوم القرآن
يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ . لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى » وكذلك يقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أصابك شئ فلا تقل لو أنّى فعلت كذا كان كذا وكذا . ولكن قل : قدّر اللّه وما شاء فعل » و يقول : « الإيمان أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه » و يقول : « يا مقلّب القلوب والأبصار ثبّت قلبي على دينك » . إلى غير ذلك . هذه النصوص وأمثالها ، إذا نظر العبد إليها لا يسعه إلا أن يردّ الأمور كلها إلى اللّه معتقدا أنه الواحد الأحد ، لا شريك له في ملكه ولا في ناحية من ملكه ، وهي أفعال التكليف من عباده ، وكأن نسبة الأفعال إلى العباد هي الأخرى محض فضل من اللّه ، على حدّ ما قال ابن عطاء اللّه : « من فضله وكرمه عليك ، أن خلق العمل ونسبه إليك » . ويظاهر هذه الأدلة النقلية أدلة أخرى عقلية ، ناطقة بوحدانية اللّه في كل شئ ، وبأن العبد لا يعقل أن يكون خالقا لما اختاره من أفعاله ، لأنه لو كان خالقا لها لكان عالما بتفاصيلها ، ولكنه يشعر من نفسه بأنه تصدر عنه أشياء كثيرة جدا من عمله الاختياري دون أن يعرف تفاصيلها ، كخطوات المشي وحركات المضغ في الأكل ونحوها . وإذا فليس العبد هو الخالق لها . « أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ؟ » . بجانب هذا توجد نصوص كثيرة أيضا من الكتاب والسنة ، تنسب أعمال العباد إليهم ، وتعلن رضوان اللّه وحبّه للمحسنين فيها ، كما تعلن غضبه وبغضه للمسيئين منهم . من ذلك قوله سبحانه : « مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها . أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ